الملا فتح الله الكاشاني
161
زبدة التفاسير
وأصحابنا رضوان اللَّه عليهم استدلَّوا بهذه الآية على أنّ الأنبياء يرثون المال ، وأنّ المراد بالإرث فيها المال دون العلم والنبوّة ، لأنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلَّا على ما ينقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ، ولا يستعمل في غير المال إلَّا على طريق المجاز ، ولا يجوز الانتقال من الحقيقة إلى المجاز بغير دليل . وأيضا فإنّ زكريّا عليه السّلام قال في دعائه : * ( واجْعَلْه رَبِّ رَضِيًّا ) * أي : اجعل يا ربّ ذلك الوليّ الَّذي يرثني مرضيّا عندك قولا وفعلا ، ممتثلا لأمرك . ومتى حملنا الإرث على النبوّة - كما زعم العامّة - لم يكن لذلك معنى ، وكان لغوا . ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد : اللَّهمّ ابعث إلينا نبيّا واجعله مرضيّا في أخلاقه ، لأنّه إذا كان نبيّا فقد دخل الرضا وما هو أعظم منه في النبوّة . ويقوّي ما قلناه : أنّ زكريّا عليه السّلام صرّح بأنّه يخاف بني عمّه بعده بقوله : « وإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي » . وإنّما يطلب وارثا لأجل خوفه ، ولا يليق خوفه منهم إلَّا بالمال دون النبوّة والعلم ، لأنّه كان أعلم باللَّه من أن يخاف أن يبعث نبيّا من ليس بأهل للنبوّة ، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل . ولأنّه إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فكيف يخاف من الأمر الَّذي هو الغرض في بعثته ؟ ! فعلى هذا التحقيق : المراد بقوله : « وإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ » خفت تضييع الموالي مالي ، وإنفاقهم إيّاه في معصية اللَّه عزّ وجلّ . فاستجاب اللَّه دعاءه ، وأوحى إليه وعدا بإجابة دعائه . يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُه يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَه مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ